ابن الجوزي

129

زاد المسير في علم التفسير

من كل باب سلام عليكم ) أراد : يقولون و ( السميع ) بمعنى : السامع ، لكنه أبلغ ، لأن بناء فعيل للمبالغة . قال الخطابي : ويكون السماع بمعنى القبول والإجابة ، كقول النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] : " أعوذ بك من دعاء لا يسمع " أي : لا يستجاب . وقول المصلي : سمع الله لمن حمده ، أي : قبل الله حمد من حمده . وأنشدوا : دعوت الله حتى خفت أن لا * يكون الله يسمع ما أقول الإشارة إلى بناء البيت روى أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، قال : كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم . وقال ابن عباس : لما أهبط آدم ، قال الله تعالى له : يا آدم ! اذهب فابن لي بيتا فطف به ، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي . فأقبل يسعى حتى انتهى إلى البيت الحرام ، وبناه من خمسة أجبل : من لبنان ، وطور سيناء ، وطور زيتا ، والجودي ، وحراء ، فكان آدم أول من أسس البيت ، وطاف به ، ولم يزل كذلك حتى بعث الله الطوفان ، فدرس موضع البيت ، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل . وقال علي ابن أبي طالب : عليه السلام لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت ، ضاق به ذرعا ، ولم يدر كيف يصنع ، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة فيها ، رأس يتكلم ، فقال : يا إبراهيم ! علم على ظلي ، فلما علم ارتفعت . وفي رواية عنه أنه كان يبني عليها كل يوم ، قال : وحفر إبراهيم تحت السكينة ، فأبدى عن قواعد ، ما تحرك احدى القاعدة منها دون ثلاثين رجلا . فلما بلغ موضع الحجر ، قال لإسماعيل : التمس لي حجرا ، فذهب يطلب حجرا ، فجاء جبريل بالحجر الأسود فوضعه ، فلما جاء إسماعيل ، قال : من جاءك بهذا الحجر ؟ قال : جاء به من لم يتكل على بنائي وبنائك . وقال ابن عباس ، وابن المسيب ، وأبو العالية : رفعا القواعد التي كانت قواعد قبل ذلك . وقال السدي : لما أمره ببناء البيت ، لم يدر أين يبني ، فبعث الله ريحا ، فكنست حول الكعبة عن الأساس الأول الذي كان البيت عليه قبل الطوفان . قوله [ تعالى ] : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) قال الزجاج : المسلم في اللغة : الذي قد استسلم لأمر الله ، وخضع . والمناسك : المتعبدات . فكل متعبد منسك ومنسك ، ومنه قيل للعابد : ناسك . وتسمى الذبيحة المتقرب بها إلى الله ، تعالى النسيكة . وكأن الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله تعالى . قوله [ تعالى ] : ( وأرنا مناسكنا ) أي : مذابحنا . قاله مجاهد . وقال غيره : هي جميع أفعال الحج . وقرأ ابن كثير : ( وأرنا ) بجزم الراء . و ( رب أرني ) و ( أرنا اللذين ) . وقرأ نافع ، وحمزة ،